الشأن الإسرائيلي

بينيت يدمّر “الحلم الصهيوني” كيف ؟

ليس هناك مثل وعد بلفور، الذي سيحيون في هذا الأسبوع الذكرى السنوية الـ 104 له، والذي أصدره وزير الخارجية البريطاني، اللورد آرثر جيمس بلفور، يؤكد إلى أي درجة تنحرف سياسة رئيس الحكومة، نفتالي بينيت، بخصوص النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني عن الالتزام التاريخي للحركة الصهيونية. إعلانات المتحدثين باسمه والمقربين منه بأنه “لا توجد أي عملية سياسية مع الفلسطينيين ولن تكون أيضاً”، التي تعني استمرار الاحتلال والضم الزاحف، تدل على انقلاب في الرؤية الصهيونية وتفضيل “أرض إسرائيل” على الديمقراطية والهوية اليهودية لدولة إسرائيل، التي هي الأسس الثلاثة للصهيونية. هذه السياسة تضلل الكثير من الطيبين، مثل يوئيل زنغر ومني ماوتر (“هآرتس”، 22/10)، وتقودهم إلى الاستنتاج بأن حل الدولتين لم يعد ممكناً، وإلى طرح حلول أخرى غير قابلة للتنفيذ (“الكونفيدرالية هي كارثة”، “هآرتس”، 2/7/2019).
نظرت الحكومة البريطانية حقاً بعين العطف إلى “إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل”، وتعهدت في ذاك الوعد بأنها ستحاول “تسهيل تحقيق هذا الهدف”؛ لكنها أيضاً قالت بصورة صريحة: إن هذا مشروط بـشرط واضح وهو أنه “لن يتم القيام بأي أمر من شأنه المس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في أرض إسرائيل”. أي أنها ستدعم إقامة دولة للشعب اليهودي في فلسطين – “أرض إسرائيل” الانتدابية، من خلال عدم تطبيق مبدأ تقرير المصير على فلسطين، شريطة أن تحافظ على المساواة الكاملة في الحقوق المدنية والدينية. وعد بلفور، الذي هو الأساس القانوني للمطلب الصهيوني، تم تضمينه في صك الانتداب في 1920 وتمت المصادقة عليه من قبل عصبة الأمم في 1922، الذي عاد وأكد أن الالتزام بإقامة دولة للشعب اليهودي مشروط بـ “الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين، دون تمييز في العرق والدين”. كانت هذه الصفقة واضحة ومقبولة على أعضاء القيادة الصهيونية. وبناء على ذلك، في الوقت الذي وقفوا فيه أمام الحاجة إلى الحسم بين أسس الصهيونية الثلاثة دائماً فضلوا الديمقراطية، ذات الهوية اليهودية التي تستند إلى أغلبية يهودية، على “أرض إسرائيل الكاملة”. هكذا كان الأمر في رد الحركة الصهيونية على اقتراح لجنة بيل في 1937 وعلى قرار التقسيم في 1947 وعلى اتفاقات الهدنة في 1949. أيضاً بعد إقامة الدولة صرح مناحيم بيغن في 1972: “الصهيونية… هذه هي أسسها في أرض إسرائيل، التي حقنا عليها غير قابل للنقض، سيكون هناك أغلبية يهودية وأقلية عربية، ومساواة في الحقوق للجميع”، وتعهد: “نحن لم ننحرف ولن ننحرف عن هذه العقيدة التي تطوي داخلها عدالة قضيتنا”.
إن رفض بينيت القيام بعملية سياسية مع الفلسطينيين ودعمه لاستمرار البناء وتطوير المستوطنات، كل ذلك هو إعلان رسمي عن نظام تمييزي لدولة إسرائيل، يمنح الحقوق بناء على الانتماء القومي، ويمنع الحقوق عن جزء من سكان البلاد. هذا النظام يناقض وعد بلفور والالتزامات التي أخذتها على مسؤوليتها الحركة الصهيونية (أيضاً إعلان الاستقلال). وقد أكد على ذلك بشكل واضح قبل أربع سنوات يونتان إلين، نائب السفير البريطاني في الأمم المتحدة، في خطابه بمناسبة مرور مئة سنة على وعد بلفور عندما قال: “تعالوا نتذكر أنه كان هناك قسمان للوعد. القسم الثاني لم يتم تطبيقه”.
هذه الأقوال غير جديدة. عندما أطلق بينيت في 2012 “برنامج التهدئة” لـ “البيت اليهودي”، الذي تضمن ضم مناطق (ج) في الضفة الغربية، قال: إن هذا هو الحل الأفضل؛ لأن ضم الضفة الغربية مثل حل الدولتين “غير قابل للتنفيذ، وهما يعرضان للخطر مستقبل دولة إسرائيل لأسباب أمنية وديموغرافية وقيمية”. ومن أجل الحفاظ على سلم أولويات الصهيونية، دولة ديمقراطية مع أغلبية يهودية، فإنه في اقتراحه في حينه حرص على أن يعد بإعطاء الجنسية لخمسين ألف فلسطيني يعيشون في المناطق التي سيتم ضمها. لأنه “بهذه الطريقة سنسحب كلياً البساط من تحت ادعاء الأبارتهايد”.
لسوء حظ بينيت وشاكيد وبتسلئيل سموتريتش وأصدقائهم، ولحسن حظ دولة إسرائيل، فإن عمليات الضم التي استندت إلى افتراض أن إدارة دونالد ترامب ستؤيدها، لم تخرج إلى حيز التنفيذ. انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة وضع حداً لاحتمالية ضم رسمية. في ظل غياب هذا الخيار فإن بينيت، الذي يعارض حل الدولتين، اختار مرة أخرى تخليد الضم الزاحف ونظام التمييز؛ لأنه ما زال يؤمن، مثلما قال عن ضم مناطق (ج)، بأنه رغم أن “العالم لن يعترف بسيادتنا هناك (في المناطق)… إلا أن هذا غير فظيع. العالم سيتعود مع الوقت”. أي أن العالم، حسب بينيت، سيواصل إلى الأبد قبول الجمود السياسي والاحتلال ونظام التمييز.
في ظل غياب احتمالية ضم أجزاء من الضفة الغربية دون الضم الكامل للسكان، فإن هذه السياسة لبينيت ستقود إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية مع أغلبية عربية، وستدمر الحلم الصهيوني. البديل الوحيد المحتمل هو حل الدولتين لشعبين على أساس قرارات الأمم المتحدة 242 و338 والمعايير التي تم وضعها في المفاوضات بين إسرائيل وم.ت.ف في أنابوليس في 2008.
التحدي الأكبر الذي يواجهه المجتمع الإسرائيلي في هذا الشأن هو القدرة على الإدراك بأن سياسة الضم الزاحف يرافقها بشكل متعمد جهود لخلق صورة مشوهة للواقع بالنسبة لتأثير المستوطنات على حل الدولتين. هذه الصورة تبناها معظم الجمهور الإسرائيلي، بمن فيهم الذين يؤيدون حل الدولتين، ويفهمون أنه الحل المفضل لضمان أن تكون دولة إسرائيل ديمقراطية وآمنة مع أغلبية يهودية وعضواً في الأسرة الدولية.
زنغر وماوتنر أيضاً سقطا في هذا الشرك، الأمر الذي قادهما إلى التوصية بحل الكونفيدرالية. هما مثل غيرهما يرتكزان إلى عدة فرضيات وبيانات خاطئة. ولو أنهما قاما بفحصها عن طريق المعطيات الرسمية لمكتب الإحصاء المركزي وعن طريق خارطة بسيطة، لكانا تجنبا هُما والقراء استمرار التضليل الذي يخدم سياسة بينيت.
حسب أقوالهما “عدد المستوطنين (دون شرق القدس) ازداد إلى أكثر من 500 ألف شخص. ولكن حسب رقم رسمي لمكتب الإحصاء المركزي، فإنه في بداية 2021 كان يعيش في “يهودا” و”السامرة” 45257 إسرائيلياً. وقالا: “بعد اتفاق أوسلو تم نشر المستوطنات على طول وعرض يهودا والسامرة، بما في ذلك في أماكن قرب التجمعات السكانية العربية وحتى في داخلها”. عملياً، منذ اتفاقات أوسلو وحتى قبلها، فإنه منذ أن اتخذت حكومة رابين في 1992 قراراً يمنع بناء مستوطنات جديدة، بنيت فقط مستوطنة جديدة واحدة هي “عميحاي” للمخلين من “عمونة”، حسب قرار حكومة نتنياهو في 2016، التي يعيش فيها 208 إسرائيليين.
إذا كان القصد هو عشرات البؤر الاستيطانية غير القانونية التي بنيت، فإنه ليس لهذه البؤر، التي نصفها قرب شارع 60 والنصف الآخر على حدود المستوطنات القائمة، أي تأثير على الميزان الديموغرافي وعلى السيطرة القطرية. البؤر الاستيطانية المهمة تم “تبييضها” على يد حكومات نتنياهو عندما سميت مستوطنات، باستثناء ثلاث بؤر تم الاعتراف بها كبلدات وهي رحاليم وسنسينه وبروخين، وفيها يعيش 3 آلاف شخص.
فعلياً، جميع المستوطنات التي توجد في الضفة، أقيمت بمحاذاة تجمعات سكانية فلسطينية باستثناء غور الأردن وشمال البحر الميت (هناك يعيش 7 آلاف إسرائيلي تقريباً)، لكن هذا حدث ليس بعد “أوسلو”، بل بدءاً من نهاية السبعينيات عند المصادقة على خطة أريئيل شارون في حكومة بيغن الأولى في تشرين الأول 1977، وخطة ماتي دروبلس من لواء الاستيطان في 1979. وباستثناء الاستيطان اليهودي في الخليل، الذي يضم أقل من ألف شخص يعيشون في وسط مدينة فيها ربع مليون فلسطيني، لم يتم بناء أي مستوطنة داخل البلدات الفلسطينية. وتأثير البلدات على سفح الجبل، حيث هناك النسبة الديموغرافية بين الإسرائيليين والفلسطينيين هي 1: 30، على التواصل الفلسطيني يكاد يكون معدوماً كلياً.
خلافاً لما قاله ماوتنر وزنغر، فإن 73 في المئة من الإسرائيليين الذين يعيشون وراء الخط الأخضر (بما في ذلك شرق القدس)، يعيشون في بلدات غير بعيدة أكثر من خمس دقائق عن الخط الأخضر، وفي معظمهم يعيشون بمحاذاة الخط الأخضر. ولو أنهما قاما بفحص معطيات المكتب المركزي للإحصاء من العام الماضي، التي استمر فيها منحى عمره أكثر من عشرين سنة، لكانا اكتشفا أنه في “يهودا” و”السامرة” يوجد ميزان هجرة سلبي، وأن الزيادة السنوية تستند في معظمها إلى الزيادة الطبيعية، التي أكثر من نصفها جاء من مدينتين أصوليتين هما موديعين عيليت وبيتار عيليت الموجودتين على الخط الأخضر. أي أنه حتى لو صممت إسرائيل على مواصلة سياسة نتنياهو وقامت بالبناء في المستوطنات الصغيرة والمعزولة وشق شبكة طرق التفافية، بتكلفة عشرات المليارات، لكانت نسبة الأصوليين في المدينتين الأصوليتين من بين المستوطنين ستزداد، وأيضاً وزن البلدات القريبة من الخط الأخضر بشكل عام من بين السكان في “يهودا” و”السامرة”.
ثالثاً، خلط ماوتنر وزنغر بين مبادرة ترامب التي أطلقت في كانون الثاني 2020 والتي أيدها نتنياهو ورفضها العالم وبين خط الحدود الذي اقترحته إسرائيل في طابا في 2001 وفي مبادرة جنيف في 2003 وفي أنابوليس في 2008 وفي النهاية من قبل حركة “قادة من أجل أمن إسرائيل” في 2017. حسب مبادرة ترامب، في الواقع وجدت لدينا حدود متعرجة وغير عملية على طول 1800 كم من خلال “إيجاد سلسلة من الجزر الإسرائيلية والفلسطينية الموجودة خارج حدودهما”، كتبا؛ لكن حسب خط الحدود الذي اقترحته الجهات الأربع المذكورة أعلاه، فإن الحديث يدور عن إطالة معقولة للحدود، دون أي جيوب في الطرف الإسرائيلي أو الفلسطيني، مع الحفاظ على التواصل الجغرافي للطرفين ودون المس بنسيج الحياة لديهما.
في ثلاث نقاط ماوتنر وزنغر على حق: إسرائيل حقاً زادت عدد الإسرائيليين المطلوب إعادة استيعابهم داخل حدود الخط الأخضر، من 19 ألف شخص في 1993 إلى أكثر من 100 ألف شخص الآن. ولكن في عمل طاقم أجرته منظمات مختلفة مثل حركة “قادة من أجل أمن إسرائيل”، وجد أنه يمكن توفير رد مثالي على استيعابهم في إسرائيل من حيث التشغيل والسكن. وكما قالا، في أماكن معينة سيكون مطلوباً حقاً حلول كونفيدرالية مثلما في الحوض التاريخي في القدس. ولكن هذه الحلول معروفة، وقد سبق أن عرضت في إطار جولات مفاوضات بين الطرفين. وهما على حق في قولهما: إن “دولة ثنائية القومية هي عمل هستيري”. لأن هذه حقاً ستكون دولة تجري فيها حرب أهلية مستمرة.
إذا كان الأمر كذلك، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع الإسرائيلي هو أن يضاف إلى الاحتمالية المادية – القطرية لحل الدولتين، القائم كلياً في الضفة وفي غزة وفي إطار سيناريو لتبادل الأراضي بنسبة 4 في المئة، الاحتمالية السياسية المعدومة كلياً. فدونها لا يمكن تجسيد المحتمل. تبني سياسة بينيت والتضليل والأكاذيب تعني التنازل عن إمكانية إعادة إسرائيل إلى طريقها وأن يتم تطبيق الحلم الصهيوني فيها، خلافاً لحل الدولتين. هذا الحل سيبقي إسرائيل مخلصة لوعد بلفور وصك الانتداب وقرار التقسيم، التي هي الأساس السياسي والقانوني والأخلاقي لإقامة دولة إسرائيل وضمان مستقبلها.

عن “هآرتس”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى