الشأن الإفريقي

في ذكرى رحيل القائد الفلسطيني ياسر عرفات العالم هذه اللحظة تنفرد بنشر كتاب لباحث فلسطيني يروي قصته مع مانديلا وافريقيا 

في ذكرى رحيل القائد الفلسطيني ياسر عرفات العالم هذه اللحظة تنفرد بنشر كتاب لباحث فلسطيني يروي قصته مع مانديلا وافريقيا

كتاب بعنوان:

 

” جنوب إفريقيا وفلسطين (نضال مشترك)”

 

اعداد الباحث:

عــودة محمد عابــد

ماجستير علوم سياسية – شؤون أفريقية،

معهد البحوث والدراسات العربية،

القاهرة.   2020م

مقدمة:

الحمد لله الذي وهب لنا من العقل ما نميز به بين النجدين، فنتبع ما أراد لنا من الخير أن نتبع، ونتجنب ما أراد لنا من الشر أن نتجنب. وتحقيقا لغاية وجود الانسان فى الأرض، وتواصلا مع منهج الخير والعلاقات بين الفرد والجماعات، وبين الجماعات والمجتمعات، جاء هذا العمل المتواضع، الذي ما هو الا عبارة عن وصل ما انقطع، واتمام لما انتقص، من التراث الأدبي والعلمي الفذ الذي قدمه علماؤنا وأساتذتنا في تعريف السياسة الخارجية للوحدة الدولية، وعلاقاتها بالدول الأخرى والمجتمع الدولي. لقد أضحي النظام الدولي اليوم على المستوى الجيوسياسية – في نظر صموئيل هنثنغتون- مؤسسا على نظام هجين ومركب بشكل غريب في الأنماط التقليدية للتفاعلات الدولية – أي الأحادية والثنائية والتعددية القطبية- لم تعد تجسد واقع السياسة الدولية، حيث أصبحت بنية النظام الدولي قائمة على أساس نظام أحادي- متعدد الأقطاب يتسم بوجود قوة عظمى منفردة هي الولايات المتحدة، تتفاعل مع مجموعة من القوى الرئيسة، وإذا نظرنا إلى القوى الفاعلة في النظام الدولي الراهن، وبسبب غياب الجانب الإيديولوجي المضاد، وبسبب كون العديد من هذه القوى تدين بذات الإيديولوجية التي تحملها الولايات المتحدة، وجدنا أنها قوى متصارعة أكثر من كونها قوى متحالفة، صحيح أننا لا نستطيع نكران وجود خلافات فيما بينها، إلا أن هذه الخلافات ذات طبيعة تنافسية يصعب وصفها بأنها خلافات إيديولوجية أو مذهبية- عقائدية ذات طبيعة تصارعيه، وبالتالي فإن ما تتميز به قواعد إدارة العلاقات بين هذه القوى هي سمة التنافس وليس الصراع، فالعلاقات الدولية هي علاقات تبحث التفاعل بين الدول أو الشعوب من ناحية والدول من ناحية أخرى، وهي أيضا تبحث التفاعل الدولي في كل المستويات سواء كانت  شعبية أو دولية سياسية كانت أم اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية أو عسكرية ، وفي معظم الأحيان يرجع تاريخ العلاقات الدولية إلى أنه تفاعل عسكري اقتصادي سياسي كما حدث خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية أكثر من غيره، ولكنها أيضا قد تشمل السياسات الخارجية.2 كما أن العلاقات الدولية لا تشير فقط إلى ظواهر معينة تشكل موضوعاً للدراسة، إنما أيضا إلى العلم المختص بدراسة وبحث تلك الظواهر، فهي قد تداخلت مع قضايا أخرى ذات طبيعة سوسيولوجية كما لا تزال موضوعاً لمجادلات لا تنتهي، فالعلاقات الدولية قائمة سواء أردنا أم لم نرد ودون حدود. ولا شك أن هنالك عدة أسباب لنشوء العلاقات الدولية، فقد تكون بدواعي التجارة وتبادل المنافع والسلع بصورة عامة إلى أن قاد ذلك إلى عامل جديد وهو الأطماع التي قادت بدورها إلى الغزوات والحروب، لكنها عموماً مرت بالعديد من المراحل وشهدت الكثير من التطورات اعتباراً من مؤتمر وستفاليا في عام 1648م وتشكيل الدولة القومية مروراً بالإمبراطوريات وصولاً إلى فترة عصبة الأمم وما واجهته من صعوبات أدت إلى قيام الأمم المتحدة في محاولة لتعديلها. كما شهد العالم صراعات وتوازنات في القوى أنتجت مفاهيم مختلفة، ولعل من أهم ما نتج من هذا الصراع الحرب الباردة التي شكلت مقاييس في السياسة الدولية، وبانحسارها ساد مفهوم الأحادية القطبية، وكل ذلك شكل علاقات مفصلية في العلاقات الدولية، لذا تعتبر قضية الصراع العربي الإسرائيلي، وفى القلب منها قضية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، واحدة من بين القضايا التي يتحدد – وفقا لها –  نوع العلاقة ومستقبلها بين المجتمع الدولي ودول الشرق الأوسط ودول القرن الإفريقي والجنوب إفريقي، ففي ضوء هذه القضية تتحدد العلاقة بين فلسطين والدول المساندة لها معنويا وماديا وهنا سوف نحدد العلاقة بين الدولة الافريقية المتميزة” جمهورية جنوب افريقيا وفلسطين المحتلة”، وفى ضوئها أيضا تتحدد طبيعة وأنماط التفاعلات والمواقف المحلية والإقليمية والدولية لها. فبعد أن شهدت جمهورية جنوب إفريقيا تغييرا جذريا بالواقع السياسي لها عام 1994م، حيث وصلت الأغلبية المتمثلة بالسكان الأصليين إلى مقاليد الحكم عبر نضال خاضوه وطال عقوداً من الزمن، وأصبحت هذه الأغلبية تحكم وتتحكم في مصير جنوب إفريقيا، تغيرت السياسة الخارجية لجمهورية جنوب إفريقيا تغيرا جذريا فأصبحت من أنصار المستضعفين والمستعمرين في الأرض، وظهر هذا جليا في موقف جمهورية جنوب إفريقيا بفترة حكم نيلسون منديلا ومن تبعه من حكام لجنوب إفريقيا، وكانت  هذه النظرة واضحة تجاه القضية الفلسطينية والتي تعد آخر احتلال على الأرض حتى هذه اللحظة والتي استوحت الدراسة العلمية تجاه هذا التغير محاولا  في هذا الكتاب  بلورة القضايا والمتغيرات التي تساعدنا على فهم التحولات والتبادلات في المواقف الإفريقية بشكل عام وجنوب إفريقيا بشكل خاص من القضية الفلسطينية، وبذلك فإن الإشكالية التي تحاول الدراسة معالجتها هي “ماهية العلاقات بين جمهورية جنوب أفريقيا وفلسطين المحتلة”  ومدى انعكاسها على القضية الفلسطينية في مختلف المحافل الدولية، وتتبع مسارات هذه المواقف من جهة ثانية، إن القضية الفلسطينية وصراعها مع الاحتلال الصهيوني وما يعانيه الشعب العربي الفلسطيني داخل أراضيه المحتلة وخارجها يكاد يكون معاناة مماثلة لما مر به شعب جنوب إفريقيا من استيطان وتمييز وفصل عنصري وإبادة جماعية، فهناك عامل مشترك بين القضيتين وبين ممارسات المحتل لكلتا الدولتين برغم اختلاف المحتل، القضية متشابهة لما عاناه الشعبان من إبارتهيد ضدهما، لذلك نرى أن العلاقة بينهما مميزة وقوية نظرا لوحدة الحال والمعاناة الواحدة، حيث جمهورية جنوب إفريقيا بعد استقلالها وتولى المناضل نيلسون منديلا الحكم عام 1994م، بات هذا واضحا أكثر من تأييد مواقفها لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في مسيرتها نحو الاستقلال وطرد الاحتلال. وقد ناصرت جمهورية جنوب إفريقيا القضية الفلسطينية، متمثلة بمواقف زعيمها الراحل نيلسون منديلا في المحافل الدولية والتي اتضح منها الدعم الكامل للفلسطينيين، وبعد أن كانت هذه الدولة تأخذ دور المناصر أصبحت تأخذ دور الملتزم تجاه القضية الفلسطينية، وبات هذا واضحا نتيجة التأييد والدعم للقرارات الأخيرة والتطورات التي حظيت بها القضية الفلسطينية مثل : حصول فلسطين على مقعد مراقب بالأمم المتحدة، وما شابه من مساندة ودعم، بالإضافة لعقد اتفاقية التشاور والعمل المشترك، واستقبال رؤساء ووزراء، واستقبال شخصيات وعقد مؤتمرات، فمجمل القول إن أوجه التشابه والنضال بين البلدين و زعمائها (منديلا – عرفات) ومن بعدهما من رؤساء وحكام ولدت هناك علاقات ثورية ودبلوماسية مشتركة بينهما وتعاونا دوليا كبيرا، فهذا الكتاب يحاول أن يسلط الضوء على طبيعة العلاقة والمواقف وما مرت به من فترات نضالية ثورية مشتركة عبر المراحل المختلفة، ودخول السياسة الإسرائيلية وتغلغلها في إفريقيا، وتأثير علاقة الأخيرة بموقف جنوب إفريقيا من القضية الفلسطينية، جاء هذا الكتاب  ليسلط الضوء على السياسة الخارجية لجمهورية جنوب افريقيا تجاه فلسطين ، وتأثير تلك السياسة على اقامة الدولة الفلسطينية، وطبيعة ومستقبل العلاقة بين البلدين وتأثيرهما وتأثرهما فيما بينهما على مجرى الصراع في المنطقة، ومن خلال فصول الكتاب أيضا أحاول أن أوضح الموقف العام لجمهورية جنوب إفريقيا من القضية الفلسطينية من خلال دعمها الدبلوماسي والسياسي الواضح لفلسطين، لما تميزت به مواقف جمهورية جنوب إفريقيا بوضوح أكثر بعد وصول الرئيس الراحل نيلسون منديلا للحكم بالعام 1994م كأول رئيس أسود منتخب للبلاد وما برز من مواقف و زيارات متتالية للمسئولين من كلا الطرفين، وتحاول الدراسة أن تلقى الضوء على علاقات جمهورية جنوب إفريقيا مع فلسطين وأهميتها في التأثير السياسي والدبلوماسي نتيجة المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة مع إنهاء حالة القطبين وصعود حالة القطب الواحد، والتحالفات شبة الدولية والتي يشوبها الصراع تارة والتحالفات تارة اخرى.

الأهمية:

تكمن أهمية الكتاب في كونه يبحث فى طبيعة العلاقات الدولية عبر تحليل السياسة الخارجية لجمهورية جنوب افريقيا تجاه المسألة الفلسطينية أمام المجتمع الدولي، فيما يمكن أن يشكله من إضافة لتفسير المواقف والعلاقات بينهما، وتأثير هذه العلاقات في دعــم وتعــزيز موقف القضية الفلسطينية أمام العالم الخارج، خاصة بعد التحولات السياسية في جمهورية جنوب إفريقيا منذ عام 1994م حتى الآن. كما تكمن أهمية الكتاب في النقاط التالية:

  • أنه يدرس علاقة دولة من أكثر الدول الإفريقية دعما للقضية الفلسطينية، ومن أكثر الدول الملتزمة بالقضية عبر المحافل الدولية، باعتبار أن هناك تشابهاً تاريخيا ونضاليا بين حالتي الشعب الفلسطيني وشعب جنوب إفريقيا، من اضطهاد وتمييز عنصري ونظام الاستيطان وتصاريح المرور والفترة التاريخية الواحدة بين الاحتلال وسياسة نظام الابارتهيد1948م.
  • أنه يشكل رافدا أساسيا لفهم وتحليل السياسية الخارجية لجمهورية جنوب إفريقيا وارتباطها بالقضية الفلسطينية، ومدى تأثير هذا الكتاب على طلبة الجامعات في التخصصات المهتمة بالعلاقات الدولية شئون إفريقية وإلى دور العلم والمكتبات الجامعية والعامة وإلى صانعي القرار والمحللين السياسيين والمهتمين بشئون القضية الفلسطينية وجمهورية جنوب إفريقيا.
  • يعد الكتاب استكمالا لدراسات سابقة نادرة تناولت سياسة جنوب إفريقيا تجاه القضية الفلسطينية، وما لهذه القارة من أهمية لدى القيادة الفلسطينية والسلك الدبلوماسي، لاسيما انها موضوعا حيويا ومهما للقضية الفلسطينية ومؤسساتها السياسية والدولية.

الأهداف:

  • يكمن الهدف الرئيس من وراء اعداد هذا الكتاب اكتشاف طبيعة النضال المشترك بين البلدين، وعلاقة الصديقين المناضلين نيلسون منديلا وياسر عرفات، ومستقبل العلاقات بين جمهورية جنوب افريقيا وفلسطين.
  • يهدف الكتاب الى “تحليل السياسة الخارجية” لدولة من أكثر الدول الأفريقية دعما للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية وأكثرها التزاما بحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
  • انه يعد محاولة للكشف عن أشكال وسبل العلاقات بين جمهورية جنوب افريقيا وفلسطين، منذ حركات التحرر الوطني وطبيعة العلاقة بينهما، واكتشاف سلوك وقرارات سياسية لتلك الدولة تجاه اقامة الدولة الفلسطينية ما بعد الحكم الذاتي الفلسطيني.
  • التعرف على مستقبل العلاقات بين جمهورية جنوب أفريقيا وفلسطين، وفقا للمتغيرات والتطورات التي طرأت على المستوى الإقليمي العربي والشرق أوسطي، من نزاعات واخفاقات، وتحالفات، وكوارث، وانعكاسها على مستقبل القضية الفلسطينية.

الخاتمة

تعتبر قضية الصراع العربي الإسرائيلي، وفى القلب منها قضية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، واحدة من بين القضايا التي يتحدد – وفقا لها – نوع العلاقة ومستقبلها بين المجتمع الدولي ودول الشرق الأوسط ودول القرن الإفريقي والجنوب إفريقي، ففي ضوء هذه القضية تتحدد العلاقة بين فلسطين والدول المساندة لها معنويا وماديا وهنا سوف نحدد العلاقة بين الدولة الافريقية المتميزة” جمهورية جنوب افريقيا وفلسطين المحتلة”، وفى ضوئها أيضا تتحدد طبيعة وأنماط التفاعلات والمواقف المحلية والإقليمية والدولية لها، فبعد أن شهدت جمهورية جنوب إفريقيا تغييرا جذريا بالواقع السياسي لها عام 1994م، حيث وصلت الأغلبية المتمثلة بالسكان الأصليين إلى مقاليد الحكم عبر نضال خاضوه وطال عقوداً من الزمن، وأصبحت هذه الأغلبية تحكم وتتحكم في مصير جنوب إفريقيا، تغيرت السياسة الخارجية لجمهورية جنوب إفريقيا تغيرا جذريا فأصبحت من أنصار المستضعفين والمستعمرين في الأرض، وظهر هذا جليا في موقف جمهورية جنوب إفريقيا بفترة حكم نيلسون منديلا ومن تبعه من حكام لجنوب إفريقيا، وكانت  هذه النظرة واضحة تجاه القضية الفلسطينية والتي تعد آخر احتلال على الأرض حتى هذه اللحظة والتي استوحت الدراسة العلمية تجاه هذا التغير، ونحاول في هذا الكتاب  بلورة القضايا والمتغيرات التي تساعدنا على فهم التحولات والتبادلات في المواقف الإفريقية بشكل عام وجنوب إفريقيا بشكل خاص من القضية الفلسطينية، وبذلك فإن الإشكالية التي تحاول الدراسة معالجتها هي “ماهية العلاقات بين جمهورية جنوب أفريقيا وفلسطين المحتلة”  وأثر انعكاسها ودعمها للقضية الفلسطينية في مختلف المحافل الدولية، وتتبع مسارات هذه المواقف من جهة ثانية.

تسعى جنوب إفريقيا إلى بناء علاقات منفتحة مع جميع الدول، لاسيما في القارة الإفريقية منها، فيما تحاول أن تستفيد من زخم تجربتها إبان حرب التحرير، من خلال إظهار دورها السياسي في العلاقات الدولية كرمز من رموز الحرية بما يعكس قيم العدل والمساواة بين البشر، كما تسعى جنوب إفريقيا لإثبات أنها الدولة الأولى على مستوى القارة الإفريقية، وذلك من خلال اقتصادها القوى، وعلاقاتها الدولية الواسعة والمتشعبة، ومشاركتها في العديد من التجمعات الاقتصادية الإقليمية والدولية بالإضافة إلى تجربتها الرائدة في المصالحة الوطنية التي قل مثيلها في العالم، ونظامها الديمقراطي الراسخ الذي  يعزز من دورها في القارة والعالم.

تعـد جنوب إفريقيا أكبر اقتصاد إفريقي، وهي الدولة الإفريقية الوحيدة العضو في المجموعة العشرين للدول صاحبة الاقتصادات المتقدمة والصاعدة، ويحسب لها أنها قد صمدت أمام الهزة الناتجة عن الأزمة المالية العالمية إلى ما بعد تأثير عدة دول كبرى، بيد أن ربيع عام 2009، كان موعدا مع بداية الركود الاقتصادي في البلاد وانفتاح صفحة من صفحات الانكماش الاقتصادي، ولكنها أكثر صمودا في وجه الأزمة من بعض الدول الأوروبية. جدير بالذكر أن مستوى دخل الفرد في جنوب إفريقيا يتجاوز ال 11 ألف دولار سنويا وهو مواز لدخل الفرد في كل من روسيا والبرازيل، في حين يجرى تصنيفها في بيئة الأعمال في الموقع رقم 39 أو 40 وهو عمليا مساو لتصنيف فرنسا في بيئة الأعمال.

لا بد من القول أولاً : إن جنوب إفريقيا كجمهورية يحكمها نظام سياسي ينطلق في حكمه على الأشياء من تاريخه وتجربته النضالية وعموم ما جرى، تلتزم جنوب إفريقيا بفلسطين من باب التزامها بثوابت واستخلاص تجربتها وحفاظها للعهود التاريخية التي جمعت م.ت.ف مع قادة الحركة الوطنية التحررية في جنوب إفريقيا، فيما تتربع فلسطين أيضا على صدارة موقع متقدم في السياسة الخارجية لبريتوريا انطلاقا من مركز قضيتها في منطقة الشرق الأوسط التي تغرى جنوب إفريقيا لأن تكون فيها حاضرة أسوة بالدول الكبرى ذات المصالح المتشابكة في منطقة الشرق الأوسط.. ويتميز موقف جمهورية جنوب إفريقيا من فلسطين بالثبات على ما يلي:

– التأكيد على الثوابت الفلسطينية المحددة فلسطينيا والاستمرار في دعمها.

– دعم التوصل إلى اتفاق سلام شامل وعادل.

– حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

– ضرورة التوصل لحل دولتين عبر قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967. وعاصمتها القدس الشرقية.

– م.  ت. ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بالداخل والخارج.

– توجيه حكومة جنوب إفريقيا لممثليتها في بعثات السلك الدبلوماسي المتعدد كمجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان بالتصويت لصالح فلسطين في أية قضية مطروحة.

واقعيا وتاريخيا يجب التنويه لبعض الحقائق والنتائج التالية:

– التقى الرئيس نيلسون منديلا بعد خروجه من معتقلات نظام الإبارتهيد الرئيس ياسر عرفات بعد 16 يوما فقط من خروجه من السجن في زامبيا عام 1990م، فيما زار الرئيس محمود عباس جنوب إفريقيا عدة مرات وآخرها للمشاركة في تشييع جثمان مانديلا في كانون الأول عام 2013.

– تلتزم جنوب إفريقيا بعدم زيارة أي مسئول كبير في الدولة من الرئيس ورئيس الوزراء والبرلمان الى إسرائيل احتجاجا على استمرار احتلالها لفلسطين.

– قد صرحت وزيرة الخارجية لجنوب إفريقيا في تشرين الثاني عام 2013م بالقول ” إنها لم تستطع أن تذوق طعم النوم حينما رأت خارطة فلسطين آخر مرة كيف أصبحت مع الاستيطان، وهو ما انتقدته إسرائيل بشدة.

– يعتبر المسلمون في جنوب إفريقيا من أكثر مسلمي العالم شدا للرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، ولا يزالون يحافظوا على زيارة الحرم القدسي الشريف بعد موسم الحج ويعتكفون في الليالي العشر الأخيرة من كل رمضان هناك.

– نظمت جنوب إفريقيا ائتلافا من لجان التضامن مع الشعب الفلسطيني والتي تعتبر من أكبر المظلات التضامنية مع الشعب الفلسطيني في العالم.

– تزور وفود طلابية وشعبية الضفة الغربية والقدس الشريف وقطاع غزة بشكل تضامني مستمر.

– هناك عدة اتفاقيات موقعة بين البلدين، منها اعتماد السفارات الدبلوماسية لكلا البلدين منذ عام 1995.

– بالإضافة للاتفاقية التي عقدت بين البلدين، تسمى اتفاقية “التشاور السياسي في كل المجالات” والتي عقدت عام2015.

أن علاقة منظمة التحرير الفلسطينية مع الدول الأفريقية بشكل عام 1956-1994 توصف بين استئناف العلاقة وقطعها تارة أخرى، بحكم الظروف السياسية والإقليمية لتلك الدول. حيث أن العلاقة كانت على مستوى حركات التحرر الوطني الافريقي مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني، بينما بالشكل الرسمي والدبلوماسي توصف بالضعيفة والمنعدمة تعود لأسباب أهمها: عدم استقلال الكثير من الدول الأفريقية وأهمها جنوب أفريقيا، أما حديثا وبعد استقلال باقي الدول الأفريقية ان هناك دولا لم تنقطع العلاقات بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية وبقيت العلاقات مستمرة طوال هذه الفترات منذ 1994م حتى 2020م، وهذه الدول تسمى الدول الفاعلة وعلى رأس هذه الدول جمهورية جنوب إفريقيا، تنزانيا، زامبيا، وموزنبيق، العلاقات بينهما وبين منظمة التحرير كحركة تحرر وطني مستمرة بينها التعاون السياسي والدبلوماسي المستمر، واذا نظرنا الى الدعم السياسي التي تقدمه جمهورية جنوب إفريقيا للقضية الفلسطينية، بدأ من اتفاقية مدريد للسلام واتفاقية أوسلو وكل التسويات الفلسطينية مع الجانب الإسرائيلي كان لجمهورية جنوب إفريقيا موقفها من حيث التأييد والمناصرة لها، لأنها تعتبر التسويات إنجاز سياسيا ودبلوماسيا على صعيد القضية الفلسطينية، مرورا بانتخابات عام 1996 وإنشاء مجلس تشريعي فلسطيني ووزارات سيادية، كان لها تأييد ومناصرة، بالإضافة لحصول فلسطين في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 على صفة “مراقب غير عضو” بالأمم المتحدة.، وحصولها على مقعد باليونسكو بالعام 2011 أيضا، فكان موقف جمهورية جنوب إفريقيا واضحا ومميزا تجاه كل موقف حسب طبيعته ونوعه سواء كان إنجازا على صعيد القضية الفلسطينية أو انتهاك وجريمة حرب من قبل إسرائيل على شعب فلسطين، فكان لهذه الدولة موقف واضح وصريح بين التأييد والمساندة، والتنديد والشجب بل المقاطعة لإسرائيل حسب كل موقف. بغض النظر عن علاقتها الاقتصادية القوية مع اسرائيل الا انها لا تؤثر على طبيعة العلاقة والموقف المساند من القضية الفلسطينية.

في ضوء ما سلف من نتائج، يمكن توقع تصورات مستقبلية للعلاقة بين فلسطين وجنوب افريقيا في المدى المنظور، تكاد أن تدلى بها تطورات الأحداث، عبر مختلف مراحل العلاقات التي تناولنها مسبقا، والتصورات هي:

التصور الأول: يمثل هذا التصور الامتداد المنطقي للتطورات الراهنة للعلاقات الفلسطينية مع جنوب إفريقيا، التي تم رصدها في هذا الكتاب، فإذا استمر النمط الحالي لهذه العلاقات على ذات الوتيرة والعمق، من دعم ومساندة وتأييد للقضية الفلسطينية من قبل جمهورية جنوب إفريقيا بدافع التشابه في الاضطهاد لكلا الشعبين وكلتا القضيتين فإن التصور السائد سيبقى بذات الوتيرة وهي الدعم المستمر والدائم من قبل جمهورية جنوب إفريقيا للقضية الفلسطينية.

التصور الثاني : أما هذا التصور فيمثل مسار العلاقات الفلسطينية مع جنوب إفريقيا، فيما لو طرأت تطورات غير جذرية على نسق العوامل التي أدت الى تطور هذه العلاقات ، سيما العوامل الدولية، بمعنى لو تخفف الولايات المتحدة الامريكية من درجة وكثافة مساندتها المطلقة للسياسة الاسرائيلية ضد القضية الفلسطينية، على سبيل الأحداث الأخيرة وتأييدها لسياسة الاستيطان وسياسة الضم والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها للقدس، لكان للجهود والدعم الإفريقي، وخاصة جنوب افريقيا منها، تأثير أقوى سياسيا تجاه القضية الفلسطينية.

التصور الثالث : فيما يتمثل بالمحددات الداخلية والخارجية لجمهورية جنوب افريقيا تجاه القضية الفلسطينية، فإن التصور السائد والواضح بأن المحددات الداخلية مؤثرة بالإيجاب لصالح القضية الفلسطينية نتيجة تشابه النضال من المعاناة والعنصرية والاستيطان لكلتا القضيتين، كما أن المحددات الخارجية قد تؤثر نوعا ما على طبيعة السلوك السياسي للسياسة الخارجية لجنوب إفريقيا تجاه القضية الفلسطينية، بمعنى أن الولايات المتحدة ومساندتها لإسرائيل كفاعل قوى بالمنطقة قد تؤثر بالسلب على موقف جنوب إفريقيا تجاه القضية الفلسطينية في الدعم الكامل الأكثر تأثيرا في المحافل الدولية نتيجة تأييد كثيرا من الدول لصالح اسرائيل نظرا للمصالح الاقتصادية لتلك الدول  وما شابه.

التصور الرابع : أما التصور الأخير فهو موقف جمهورية جنوب إفريقيا من القرارات المقدمة من الجانب الفلسطيني في مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة الجنايات الدولية وغيرها في المحافل الدولية ، قد تحظى بتأييد ومناصرة ومساندة من قبل جنوب إفريقيا لفلسطين، طبقا لذات الوتيرة، فعلى صعيد التسوية الفلسطينية الإسرائيلية وقرارات مجلس الامن تجاه القضية الفلسطينية، سوف تأخذ هذه الدولة دور المناصر بل الملتزم تجاه فلسطين، نتيجة ما يعانيه الفلسطينيون من احتلال ومعاناة  واستيطان وحروب وعنصرية ، بمعنى أن جنوب إفريقيا ستبقى تناضل عبر المحافل الدولية من أجل تحرير فلسطين وقيام دولتها كباقي دول العالم المستقلة، بدافع الظروف السياسية والاجتماعية والنفسية من العوامل الداخلية التي وقعت بها هذه الدولة أبان الأبارتهيد الأبيض، ونظرا الى التصريحات العديدة من قبل السياسيين في جنوب إفريقيا بداء من الزعيم الراحل نيلسون منديلا ومن تبعه من رؤساء وحكام، فالسياسة الخارجية التي تتخذها جنوب إفريقيا تجاه القضية الفلسطينية واضحة الملامح من مساندة وتأييد ومناصرة. بمعنى أن جنوب إفريقيا ستستمر بالدعم والتأييد لجميع القرارات والقضايا التي تخص القضية الفلسطينية من أجل نيل حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المنشودة، وخاصة الدعم في المحافل الدولية، بل قد تأخذ دبلوماسيا وسياسيا تطورات أكثر فعالية في الدعم والتأييد من الجانب الاقتصادي والسياسي كاتفاقية التشاور السياسي التي وقعت في الآونة الأخيرة بين الدولتين من أجل التشاور في كل القضايا التي تخص القضية الفلسطينية.

وفى ضوء الرؤية المستقبلية سالفة الذكر، يقترح الباحث وضع استراتيجية للتصدي للتغلغل الإسرائيلي في إفريقيا وتأثير هذا الكيان الاحتلالي على مواقف الدول الإفريقية تجاه القضية الفلسطينية، تنطلق من مرجعية مفادها أن مصر دولة محورية عربيا وإفريقيا بما لها من قوة ناعمة تعتمد على حقائق التاريخ والجغرافيا، بالإضافة الى الكفاح المشترك والخبرات المتراكمة في التعامل مع الدول، مع الوضع بعين الاعتبار أهمية إفريقيا عموما ودول حوض النيل خاصة على الأمن المصري والفلسطيني أيضا، بمعنى يجب التصدي للتوغل الإسرائيلي في إفريقيا من أجل الحفاظ على سياسة الاندماج الافريقي – العربي نحو الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني في نيل حقوقه وتحرير أرضه من الاحتلال العنصري الاستيطاني الإسرائيلي.

دعم الحوار العربي الإفريقي وتفعيله وإحياء القمة العربية الإفريقية التي بدأت عام 1977.

دعم وتعزيز التعاون الاستراتيجي بين دول حوض النيل أي الدول العربية الإفريقية والعمل على إجهاض المشروعات الإسرائيلية على هضبة الحبشة وباقي دول منابع النيل والتوغل في هذه الدول والذي مؤخرا طال شمال أفريقيا وخاصة السودان.

رصد ومتابعة العلاقات الإسرائيلية الإفريقية في مختلف الجوانب رغم انشغال كل من إسرائيل والدول العربية بقضية الشرق الأوسط والنزاعات الدائرة.

المساهمة في نصرة ودعم المقاومة الشعبية الفلسطينية حتى إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي حدود عام 1967.

توصى الدراسة بوضع حد نهائي لحالة الانقسام السياسي الفلسطيني بواسطة تشكيل حكومة وحدة وطنية دون شروط بين أبناء البلد الواحد، والاتفاق على برنامج وطني محط إجماع الكل الوطني الفلسطيني، حيث إن حالة الانقسام هذه ما هي إلا ورقة رابحة لإسرائيل في تنفذ سياستها الاستراتيجية وهي تقسيم الدولة الى دويلات.

توصى الدراسة بأهمية تضامن جمهورية جنوب إفريقيا سيما وأنها دولة نهضت من رحم المعاناة والعنصرية، وأهمية دور الشباب في المرحلة المقبلة وتعزيز العلاقات بين الشباب الفلسطيني والجنوب إفريقي، والاستفادة من تجارب الدولة الصديقة جنوب افريقيا، في المراحل المقبلة، إضافة لشرح مفصل عن الذكرى النكبة 1948م، وعن معنى ومخاطر الضم الإسرائيلي المحتمل لأراض فلسطينية وغور الأردن وتبعياته.

توصى الدراسة باتخاذ المقاومة الشعبية خيارا شرعيا، الى جانب السير في طريق التسوية الدبلوماسية، فمن حق الشعوب الرازحة تحت الاحتلال مقاومته بالطرق المشروعة حتى إزالته واتخاذ المقاومة الشعبية لجمهورية جنوب أفريقيا مثالا يحتذى به حول تحرير الأرض وتقرير المصير.

العمل على تكثيف الدور المؤثر من قبل السلطة الفلسطينية، لجمهورية جنوب إفريقيا، حتى تبقى العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين البلدين أكثر تفاعلا وتأثيرا على المستوى القاري والدولي.

العمل على إقناع الدول الإفريقية الأخرى باتخاذ جمهورية جنوب إفريقيا نموذجا يحتذى به في جنوب القارة، وحث هذه الدول على الدعم والمساندة للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية.

توصى الدراسة بتكثيف العمل الدبلوماسي الفلسطيني نحو القارة السمراء والقرن الإفريقي، والعمل على زيادة النشاط الدبلوماسي في تلك القارة واجهاض السياسة الخارجية الاسرائيلية لتلك القارة، والعمل على زيادة المعرفة لشعوب وحكومات تلك الدول بالقضية الفلسطينية معرفة صريحة حول الانتهاكات والجرائم والحروب التي تقع على كاهل الشعب الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي العنصري الاستيطاني الذى يدعى الديمقراطية، وايضاح أن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين هو آخر احتلال قابع وموجود على هذه الأرض والذى تجاوز سبعون عاما من الاحتلال. توصى الدراسة على فضح الممارسات الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني المحتل من استيطان وتوغل وحواجز مرور وتفتيش والاعتداءات بحق المناطق والسكان الفلسطينيين ، والاعتداءات على المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية” القدس- كنيسة القيامة” والاعتداء على البيوت وهدمها في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، والقتل بالشيوخ والنساء والأطفال بحجة الأمن الإسرائيلي، كما توصى الدراسة أيضا: بفضح الممارسات الاسرائيلية الاستيطانية لسياسة الضم للأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية والتي تنوى تنفيذها حاليا، والعمل على اجهاضها عبر نشر الرواية الفلسطينية والقبول بحل الدولتين في المحافل الدولية والمؤسسات والمنظمات ذوي الاختصاص.

الباحث: عـودة عابـد.

المختص بالعلوم السياسية شؤون أفريقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى