منوعات

كيف تصبح أكثر عقلانية في العام الجديد؟

كيف تصبح أكثر عقلانية في العام الجديد؟

مع بداية عام جديد، يقرر الكثير منا فتح صحفة جديدة، من خلال التصرف بطريقة أكثر عقلانية ومنطقية، بما يجلب لنا النفع. لكن علينا أن نعترف بأن ذلك أصعب مما نتخيل.

وفي ما يلى ثلاث نصائح لتفادي السقوط في شرك اللاعقلانية:

 ذاتك المستقبلية

عندما يقارن الناس بين ما يفكرون فيه وما يشعرون به، ما يقصدونه عادة هو الاختلاف بين المتعة الآنية والمتعة بعيدة المدى. على سبيل المثال، إفراط في الأكل اليوم وجسم نحيف غدا، شراء الحلي اليوم وامتلاك أموال كافية عندما يحين موعد تسديده.

هذا التناقض بين المراحل والأوقات المختلفة يبدو وكأنه صراع ذاتي، وكأن لنا ذاتا تستمتع بمشاهدة المسلسلات التلفزيونية، وأخرى تستمتع بالحصول على درجات عالية في الامتحان.

في إحدى حلقات مسلسل “عائلة سيمبسون”، تحذر مارج زوجها هومر من أنه سيندم على سلوكه، فيجيب: “ستكون مشكلة لهومر المستقبلي. لا أود أن أضع نفسي مكانه أبدا”. يطرح ذلك سؤالا مهما: هل ينبغي أن نضحي بالحاضر لصالح أنفسنا في المستقبل؟

الإجابة هي: ليس بالضرورة. فعملية “خصم المستقبل” أو “الانحياز للوضع السائد”، كما يسميها خبراء الاقتصاد، هي طريقة تفكير منطقية ولكن بشكل محدود. وهي السبب في أننا نصر على الحصول على فوائد بنكية لتعويضنا عن التخلي عن قدرتنا على الصرف الآن مقابل الصرف في المستقبل. ولكننا ربما نموت وتضيع تضحيتنا هباء. أو كما يقول أحد الملصقات التي توضع على مؤخرة السيارات: “الحياة قصيرة للغاية. كل الحلوى قبل فوات الأوان”.

ربما لن تتمكن من جني الفوائد الموعودة، فعلى سبيل المثال قد ينهار صندوق المعاشات الذي ادخرت فيه أموالك. كما أن الشباب لا يدوم إلى الأبد. فلا يعقل أن تدّخر لعشرات السنين لشراء نظام صوتي عندما تكون قد فقدت القدرة على الاستمتاع بجودة الصوت.

مشكلتنا إذا ليست أننا ننحاز للوضع السائد، بل أننا ننحاز إليه أكثر من اللازم. فنحن نأكل، ونشرب ونلهو وكأننا سنفارق الحياة بعد بضع سنوات فقط. كما أن نظرتنا إلى المستقبل قاصرة. فنحن ندرك أننا، آجلا أم عاجلا، ينبغي أن ندخر تحسبا للأوقات العصيبة، ومع هذا نسارع دائما إلى إنفاق ما في جيوبنا.

الصراع بين ذات تفضل مكافأة صغيرة الآن، وذات تفضل مكافأة أكبر لاحقا، هو شيء مترسخ في النفس البشرية. ولطالما تم تناول هذا الصراع في الفن والأساطير. في الكتاب المقدس، نجد قصة حواء التي تأكل التفاحة رغم تحذير الرب لها من أن ذلك سيؤدي إلى طردها وآدم من الجنة. وهناك أسطورة النملة والجندب للكاتب الإغريقي إيسوب، حيث يقضي الجندب الصيف كله في الغناء بينما تعكف النملة على تخزين الطعام، فيجد نفسه جائعا عندما يحل الشتاء.

وصاغت لنا الأساطير كذلك استراتيجية شهيرة للتحكم في النفس. فالملك أوديسيوس نفسه أمر بأن يتم تقييده إلى صاري شراع سفينته لكي لا يسحره غناء جنيات البحر فيترك السفينة تجنح وتتحطم فوق الصخور. أي أن ذاتنا في الحاضر تستطيع أن تهزم ذاتنا المستقبلية من خلال تقليص خياراتها.

عندما نشعر بالشبع، نتخلص من الشوكولاته لكي لا نسرف في أكلها عندما نشعر بالجوع. عندما نبدأ وظيفة جديدة، نسمح لأرباب العمل باقتطاع جزء من رواتبنا ووضعه في صندوق المعاشات لكي لا يكون هناك فائض ننفقه في نهاية كل شهر.

إنها إحدى الطرق التي يمكن أن نتبعها لمقاومة الإغراءات، بدون أن نعتمد حصريا على قوة الإرادة – التي من الممكن أن تنهار بسهولة بالغة أمام انفعال اللحظة والتسرع.

...أو في هذه الحالة، كلب

لم يكن هاملت هو الشخص الوحيد الذي يتخيل أشكالا غريبة في السحب، فهي هواية يمارسها البشر في أوقات فراغهم. فنحن نبحث عن أنماط متكررة في فسيفساء خبراتنا الحياتية لأنها قد تكون دلائل على وجود أسباب أو وسائل خفية. لكن ذلك يجعلنا عرضة لتخيل أسباب زائفة لأشياء جزافية.

عندما تقع أحداث في أوقات عشوائية، فإنها تخزن في صورة تكتلات داخل عقولنا – إلا إذا كانت هناك عملية غير عشوائية تفصل بينها. لذا، عندما نمر بأحداث تقع في أوقات ومراحل عشوائية من حياتنا، عادة ما نعتقد، على سبيل المثال، أن المصائب لا تأتي فرادى، أو أن مواقع النجوم أثناء ولادة شخص ما تتسبب له في سوء الحظ طوال حياته، أو أن الرب يمتحن قوة إيماننا.

يكمن الخطر في فكرة “العشوائية” ذاتها – وهي في واقع الأمر هناك فكرتان وليست فكرة واحدة.

فالعشوائية قد تشير إلى عملية فوضوية تولّد بيانات تفتقر إلى المنطق أو الإيقاع – كرمية النرد أو إلقاء عملة في الهواء. ولكنها قد تشير أيضا إلى المعلومات ذاتها عندما تستعصي على الفهم والإيجاز.

على سبيل المثال، فإن “صورة، كتابة، كتابة، صورة، كتابة، صورة” تبدو كتسلسل عشوائي من الاحتمالات، بينما “صورة، صورة، صورة، كتابة، كتابة، كتابة” لا تبدو كذلك لأنه يمكن إيجازها في: “ثلاث كتابات وثلاث صور”.

يظن الناس أن احتمال حدوث التسلسل الثاني أقل، رغم أن ثمة احتمالات متساوية لكافة التسلسلات. وربما يراهنون على أنه بعد ظهور عدد كبير من الصور، لابد وأن يظهر وجه الكتابة، وكأن للعملة ذاكرة، أو رغبة في أن تبدو عادلة – وهذا بالضبط ما يتوهمه المقامرون.

لكن ما نخفق في فهمه عادة هو أن العمليات العشوائية قد ينتج عنها بيانات تبدو غير عشوائية. بل إن حدوث ذلك أمر حتمي إذا ما أعطي الوقت الكافي. إننا ننبهر بالمصادفات، لأننا ننسى أن ثمة طرقا عديدة لحدوث تلك المصادفات.

على سبيل المثال، إذا كنت في حفل مع 24 ضيفا آخر، ما احتمال أن يكون لاثنين من الضيوف نفس عيد الميلاد؟

الإجابة هي: أكثر من 50 في المائة. وإذا كان عدد الضيوف 60، يصير الاحتمال 99 في المائة.

تفاجئنا الاحتمالات المرتفعة لأننا نعلم أنه من غير المرجح أن يكون لضيف عشوائي نفس عيد ميلادنا، أو عيد ميلاد شخص آخر. لكننا ننسى أن هناك العديد من أعياد الميلاد في العام الواحد – تصل إلى 366 في بعض الأعوام، ومن ثم فإن هناك فرصا كثيرة لوجود المصادفات.

الحياة تذخر بتلك الفرص. فلربما كان رقم السيارة التي تسير أمامي على الطريق هو رقم هاتفي معكوسا، أو لربما يتحقق أحد الأحلام أو التنبؤات – فمليارات من تلك الأحلام والتنبؤات تسبح في عقول البشر كل يوم.

خطورة الإمعان في تأويل المصادفات تبلغ أقصاها عندما نحاول أن ننتقيها بعد وقوع حدث ما – مثل الخبير الروحاني الذي يتباهى بتحقق أحد نبوءاته ويغفل الإِشارة إلى قائمة طويلة من النبوءات الخاطئة على أمل أن يكون الجميع قد نسوها. يعرف ذلك بـ “مغالطة قناص تكساس”، في إشارة إلى الرامي الذي يطلق رصاصة على جدار حظيرة ثم يرسم دائرة حول الثقب الذي أحدثته في الجدار لكي يبدو وكأنه رام بارع أصاب الهدف بدقة.

رصد الأنماط أمر مغر للغاية، لا سيما عندما نختار النمط فقط بعدما نمعن النظر إليه – تماما مثل هاملت عندما نظر إلى سحابة وتخيل أنها ناقة ثم ابن عرس ثم حوت.

المبالغة في تأويل العشوائية خطر مهني عند مراقبة الاتجاهات العشوائية للأسواق المالية، بينما مقاومة ذلك الإغراء يوفر فرصة جيدة للمستثمر الذكي. كما أنها تمنح فرصة للحياة بشكل جيد، من خلال التوقف عن التفكير في أن كل شيء يحدث لسبب ما، وتفادي أن تكون خياراتنا محكومة بأسباب لا وجود لها.

كيف تتحكم قوى لاشعورية في تصرفاتنا؟

 هل تهاجم الفكرة أم صاحبها؟

متى دخلنا في مناقشة فكرية، يجب أن يصبح الهدف هو أن تكون الحقيقة هي نقطة التقائنا. لكن البشر ينتمون إلى رتبة الرئيسيات، وغالبا ما يكون هدف كل منهم أن يصبح هو المناظر المهيمن – أو المناظر “الألفا”.

وقد يحدث ذلك بشكل غير لفظي – كالوقفة المتعجرفة، والنظرة الحادة، والصوت الأجش، والنغمة الحاسمة، والمقاطعة المستمرة، وغير ذلك من وسائل إبداء الهيمنة.

ومن الممكن أيضا أن يحاول الشخص فرض هيمنته في سياق النقاش، باستخدام عدد من الحيل القذرة لجعل غريمه يبدو ضعيفا أو أحمقا. ومن أمثلة ذلك:

  • مهاجمة الآخر بدلا من مهاجمة الفكرة
  • تحريف حجة الآخر، ثم مهاجمة تلك النسخة المحرفة.
  • وبدلا من كشف مواطن الخلل في فكرة ما، لفت الانتباه إلى أن أشخاصا سيئي السمعة يتعاطفون معها، فلابد وأن تكون فكرة سيئة

مؤكد أن المعارك الفكرية أحيانا تكون بمثابة رياضة مشوقة تعتمد على المتفرجين. ويستمتع قراء المجلات الأدبية بالطعنات المهلكة التي يتبادلها المحاربون الفكريون. وهناك نوع رائج من مقاطع الفيديو على “يوتيوب”، يصور بطلا “يقهر” أو “يسحق” أو “يدمر” تعيس الحظ الذي سولت له نفسه توجيه سؤال غير ملائم لذلك “البطل”.

لكن إذا كان الهدف من النقاش هو الاستفسار بدلا من الانصياع للألفا المهيمن، ينبغي أن نجد سبلا لكبح جماح تلك العادات السيئة.

نستطيع جميعا أن نعزز الاستماع لصوت العقل والمنطق من خلال تغيير السلوكيات المتبعة في الحوارات الفكرية، بحيث يتعامل الناس مع معتقداتهم بوصفها افتراضات يمكن أن تتعرض للاختبار، وليس كشعارات يتعين عليهم الدفاع عنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى